عمر فروخ
460
تاريخ الأدب العربي
ظافر قيمة ظاهرة . يبدو أن ابن ظافر قد عرف هذه الكتب - أو عرف عددا منها على الأقلّ - معرفة جيّدة ، فانّ معظم التشبيهات التي اختارها لم ترد عند الذين سبقوه . ويترك ابن ظافر الاختيار من الشعر الجاهليّ ومن نفر ممّن أكثر المصنّفون من الاختيار من أشعارهم في هذا الباب ، فهو مثلا لم يستشهد بأبيات لابن المعتزّ إلّا مرّتين - برغم براعة ابن المعتزّ في التشبيه والاستعارة - ، كما يحاول أن يتخيّر التشبيهات البارعة وحدها . من أجل ذلك لا يكون كتاب ابن ظافر نسخة ثانية للمصنّفات في هذا الموضوع ، بل تتمّة لها واستيفاء لهذا الموضوع نفسه . 3 - مختارات من آثاره - قال ابن ظافر الأزديّ في المقدّمة الثانية من كتاب التنبيهات : « . . . . فانّ الأرض لمّا أخذت زخرفها وازّيّنت ، وظهرت علامات سعدها وتبيّنت ، وتسلّمت من الخطوب كتاب أمانها وعاد ربيعا كلّ زمانها ، وتحلّت بعقود من جواهر زهرها النضر وطال عمر ربيعها الخضر . . . . . وأعادت محجّتها بيضاء من الحقّ وكانت سوداء من الباطل ، وأوفت أهل الفضل ديونهم ، وكم أوفت على الغريم المماطل ، بما شملها من أيّام مولانا السلطان العادل الملك الناصر صلاح الدين والدنيا منقذ بيت المقدس من الكفرة المشركين أبي المظفّر يوسف بن أيّوب محيي دولة أمير المؤمنين ملكها فما جار بل عدل ، وسلكها فما حاد عن طريق الحقّ ولا عدل ( مال ، انحرف ) . . . . . ولمّا كان المملوك ممّن تشرّف بوطء البساط الكريم وتميّز بانتسابه إلى المقام العظيم ، تأكّد الوجوب عليه في توالي ما يخدم به من خدمه . . . . فنظر في ما يخدم به الجناب الأسمى - زاده اللّه سموّا وعلوّا - فوجد فنّ التشبيه بين الأشعار عالي القدر نابه الذكر لا يمكن كلّ الناس سلوك جادّته ولا يقدر الّا اليسير منهم على إجادته حتّى استهوله أكثر الشعراء واستصعبه ، وقالوا : إن قال الشاعر « كأنّ » ظهر فضله أو جهله . ولم يجد « 1 » أحدا من المؤلّفين ولا مصنّفا من المصنّفين اشتغل بتمييز ذهبه من مدره « 2 » ، ولا خاض في بحاره لاستخراج درره . . . . . فاختار هذا المجموع - شهد اللّه - من أكثر من خمس عشرة ألف ورقة ، وجمع فيه جملا من غرائب أبياته ومعجزات آياته ،
--> ( 1 ) يشير ابن ظافر هنا إلى نفسه بضمير الغائب . ( 2 ) المدر : الطين .